Friday, January 25, 2013

من مذكرات ثورة مصرية: فلا خوف في الميدان



الأول من فبراير 2011

تعبر سيارة التاكسي البيضاء ميدان الإسماعيلية بمصر الجديدة متجهة نحو طريق صلاح سالم. المحلات مغلقة والشوارع تكاد تخلو من المارة والسيارات.

"الناس خايفة تنزل...اصل النهاردة حيخلصوا عليهم "، هكذا قال السائق.

أصمت وأتذكر حواري صباح اليوم مع جارنا لدى خروجي من المنزل وهو يقول:
 "حيضربوهم بيد من حديد...هيولعوا الميدان...كفاية كدة...الموضوع لازم يخلص".

اشعر بقدر من التوجس والخوف مع اقتراب التاكسي  من كوبري 6 أكتوبر. اليوم الثلاثاء الأول من فبراير، أول مليونية يعلنها الثائرون في أنحاء البلاد والمعتصمون في ميدان التحرير، وأول يوم أنزل فيه إلى "الثورة"...إلى "الميدان"...ذلك الفضاء مترامي الأطراف الذي اعتدنا نحن أهل القاهرة أن نعبره مئات بل آلاف المرات سواء لقضاء أمر من الأمور في مجمع التحرير أو للتسوق في وسط البلد أو للعبور من غرب القاهرة إلى شرقها والعكس أو غيرها من الأغراض. 

قلبي يخفق والتاكسي يطير فوق كوبر 6 أكتوبر ويقترب من الميدان. الأفكار والشكوك الهواجس تتزاحم داخل رأسي:

"يا ترى حنحصل المليون ولا الناس حتخاف تنزل....يا ترى الجيش حيضرب علينا زي ما بيقولو ولا حيسبونا زي ما وعدوا...يا ترى...يا ترى....يا ترى....."

يصل التاكسي إلى منزل كوبري 6 اكتوبر المؤدي إلى ميدان عبد المنعم رياض. أفاجأ بطابور طويل من السيارات الواقفة فوق الكوبري وبعدد كبير من الرجال والنساء بل والأطفال تنزل مترجلة من فوق الكوبري باتجاه الميدان.  يزداد قلبي أطمائناناُ وثقة...وأشعر بالدفء وأنا أتأمل ملامح الإقدام والحماسة على الوجوه المتجهة صوب الميدان.

أول ما يقابلني لدى خروجي من التاكسي تلك الرائحة النفاذة...الرائحة المتخلفة عن الحرائق. أرى عن بعد الواجهة السوداء لمبني الحزب الوطني بعد أن التهمته النيران. أعبر أول حاجز للجيش وأرى عربات الأمن المركزي المحروقة والمدمرة والمح عبارة مكتوبة على إحداها:"دي نهاية الظلم"...اشعر بالذهول...هل هذه القاهرة؟؟ هل ثارت مصر أخيراً؟؟ هل انتفض شعبها حقا؟؟ لم تحرق سوى رموز النظام من مكاتب ومقرات الحزب و رموز القمع وانتهاك حقوق الانسان المتمثلة في أقسام الشرطة وعربات الأمن المركزي...حريق اقرب لطقوس التطهر والميلاد من جديد.

أقف في الطابور أمام حاجز ثاني، الجميع يقفون في هدوء وانتظام دون تبرم أو شكوى في أنتظار دورهم للتفتيش من قبل جنود القوات المسلحة وعناصر اللجان الشعبية. المح عبارة مكتوبة على أحد الجدارن اسفل كبري 6 اكتوبر: "لا لقانون الأسرة لا لقوانين سوزان" ، تقلقني هذه العبارة، أدرك أن هناك صراع يلوم في الأفق بين قوى تسعي نحو التحرر والتقدم والمساواة وقوى أخرى شديدة المحافظة  تسعى نحو الجمود والتمييز والإقصاء...ولكن حتى الآن الجميع يد واحدة.

تطئ قدماي أرض الميدان لأجد نفسي وسط بحر من البشر، هل أنا في حلم أم في علم؟؟  تعود ذاكرتي إلى عام 2003 إبان العدوان الأمريكي على العراق حينما اتنفض المصريين ليحتل ما بين 20 إلى 30 ألف منهم ميدان التحرير لأول مرة منذ مظاهرات الطلبة في السبعينات من القرن العشرين، هي لحظة شهدت فيها بنفسي انسحاب أفراد وضباط الشرطة من الميدان والذعر في عيونهم إزاء هذه الجموع الغفيرة وهتافاتهم الغاضبة، فلم تزد أي مظاهرة حتى ذلك الحين عن ثلاثة ألاف متظاهر في أحسن الأحوال ولم تزد بعد ذلك  أيضا  عن هذا العدد عقب ربيع القاهرة القصير عام 2003.

أما الآن، فتكاد الدموع تذرف من عيناي وأنا أشاهد هذا التجمع المليوني، تجمع احتفالي أقرب إلى الكرنفال. أري مصر بأكملها في الميدان، بشرائحها وطبقاتها وديانتها  وتيارتها السياسية المختلفة، برجالها ونسائها بل وأطفالها وشيوخها أيضا. 

أشق طريقي بصعوبة باتجاه كبري قصر النيل حيث سالتقي رفاق الميدان. أعبر تجمعات المتظاهرين العديدة التي ترفع الشعارات المبتكرة والمذهلة...من أين جاء كل هذا الابداع؟؟ تثلج هتافاتهم صدري وتتدافع المشاعر بداخلي وأنا أرى الآلاف من أعلام بلادي ترفرف في سماء القاهرة. استغرب نقاء الهواء وخلوه من رائحة عوادم السيارت والأتربة والقمامة التي اعتدنا عليها في القاهرة...هواء نقي طاهر ينعش النفس والروح.

أصل إلى مدخل كبري قصر النيل حيث التقي برفاق الميدان، افاجأ بزميلة سابقة في العمل لم أراها منذ 20 عاما جاءت مع بناتها للإنضمام للمليونية، أري كاتب ومفكر كبير السن جاء مع زوجته يتساندان على بعضهما البعض ليكونا مع الثائرين، سيدة ستينية أنيقة تقف بشعرها الفضي القصير وتقول "أنا جيت بس عشان أكمل المليون"، فتاة منقبة أرى حماسها عبر نقابها تهتف بعزم "لازم يرحل".  نقف معا والفرحة والأمل تملئ عيوننا، ننظر صوب السماء ببعض التوجس للطائرة الهليكوبتر العسكرية التي تحوم فوق الميدان ولكن نستعيد الطمأنينة عند سماع هدير التحدي من حناجر المحتشدين...لا خوف في الميدان. تأتينا مكالمات عبر الموبيلات تحذرنا أن هناك أنباء أكيدة أن "الميدان حينضرب في أي لحظة ولازم تمشوا"، ننظر إلى بعضنا البعض في قلق ثم ننظر حولنا لنري العزيمة والإصرار في عيون الثائرين.. نستعيد ثقتنا ونبقى ثابتين...فلا خوف في الميدان.

مع اقتراب موعد حظر التجوال نخرج من التحرير باتجاه كبري قصر النيل لنفاجأ بآلاف القادمين الجدد للإنضمام للمليونية والمعتصمين في تحد صارخ للحظر. نسير عبر الكبري مستظلين بشمس فبراير الدافئة، متذكرين أنه منذ أيام قليلة فقط شهد هذا الكبري مواجهات دامية بين الشرطة والمتظاهرين وسقوط شهداء ومصابين من المتظاهرين المتوجهين إلى ميدان التحرير. نقف لحظات بجوار اسدي قصر النيل من ناحية الزمالك لنلقي نظرة أخيرة على المشهد/الحلم للجموع المتجهة نحو الميدان وفي الخلفية تقف الواجهة المحترقة لمقر الحزب الوطني، اشبه ببقايا ديناصور...تلك الكائنات كبيرة الحجم صغيرة العقل التي انقرضت لهذا السبب.

نسير بخفة تحملنا آمالنا وأحلامنا...منتعشين بنسمات شتوية رقيقة تأتينا عبر النيل ممزوجة بروائح الميدان...روائح التطهر والنقاء والجسارة.

الثاني عشر من فبراير 2011

يوم ما بعد التنحي...ادخل ميدان التحرير من ناحية شارع محمد محمود بجوار الجامعة الأمريكية،. أفاجأ بغابة من المقشات وأدوات التنظيف يحملها الآلاف من الشباب وبعمليات كنس للشوارع ودهان للأرصفة ومسح وغسيل للجدران والأسوار جارية على قدم وساق، فاليوم لتنظيف الميدان عقب أول إنجاز حققته الثورة برحيل الرئيس المخلوع. رائحة الفنيك والمطهرات تملئ هواء الميدان، عملية تنظيف وغسيل فعلية ولكنها شديدة الرمزية...التطهر بالماء عقب التطهر بالنار، كنس وغسل القديم الفاسد لاستقبال الجديد الطاهر.

اجواء البهجة والانتصار تملئ المكان وهتافات "ارفع رأسك أنت مصري" تعلو من كل ركن من أركان الميدان.  أراقب أفواج القادمين...شباب يرتدون تي شرتات مكتوب عليها "أنا مصري"، أري علامات الفخر والعزة والثقة على وجوه الناس، ملامح غابت عن وجوه المصريين لعقود طويلة، فالصورة النمطية للمصري السلبي الخانع الذي تنتهك كرامته ولا يثور أبدا تحطمت تماما في هذا المكان وفي ميادين مماثلة في طول مصر وعرضها...لقد استعاد المصري كرامته ووطنه.

 أري رجل ستيني يدخل الميدان ثم يلتقط ورقة من الأرض ويسرع بالقائها في كيس قمامة يحمله رجل آخر، أري أم تدخل الميدان مع أبناءها الصغار وهي تحذرهم بحزم وشدة "أوعى واحد فيكم يرمي ورقة في الأرض"... كلمات لم أكن أتصور أن أسمعها في قاهرة المعز وفي قلب ميدان التحرير. أصبح لهذاالمكان في تلك اللحظة مهابة وجلالة بل مسحة من القداسة...فضاء طاهر لا يجوز انتهاكه بأي شكل من الأشكال، فكفاح ونضالات وتضحيات الشعوب هي التي تضفي القيمة والمعنى على الأمكنة.

أطوف الميدان وأشاهد عمليات فك الخيام في منطقة الصنية أو "الكعكة الحجرية" بلغة جيل السبعينات الذين احتلوا نفس هذا الميدان منذ 38 عاما مضت. تحتدم النقاشات وتختلف الآراء، فرغم الفرح ونشوة الانتصار هناك مخاوف وتوجسات: "المطالب ما تحققتش كلها...لازم نكمل"، "مش عاوزين حكم عسكري"، "ندي المجلس فرصة وبعدين نشوف نعمل ايه"، "الناس تعبت وعاوزة الاستقرار والآمان".

أترك الميدان وأسير مع الرفاق عبر كبري قصر النيل، تثيرنا مشاهد فرحة القادمين بأعلامهم وهتافاتهم وأغانيهم، نسير مبتهجين نقضم قطع البطاطا الساخنة، ولكنها بهجة يشوبها القلق والترقب، فماذا بعد؟  نزيح الهموم جانبا فاليوم يوم احتفال وفرحة، تنعشنا نسمات شتوية رقيقة  تأتينا عبر النيل ممزوجة بروائح الميدان...روائح التطهر والأمل والحلم بمصر جديدة.

Friday, August 17, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(10) Desert Encounter




“For when man ardently seeks Thy beauty
His soul will joyously go to its death from the midst of richest life”
 Inb Al-Farid  

          

I had never heard of Knud Holmboe nor of his travel memoires “Desert Encounter” until a friend posted a link to the memoires on Facebook.  I was first drawn by the image on its front page of a young handsome foreign man in Arab dress. Moreover, being a lover of history and travel I was further drawn by the fact that it was not only a travel memoire of “An Adventurous  Journey through North Africa”, but that its events had occurred in 1930.  But what most aroused my curiosity was what seemed to have been a very brief life of the author Knud Holombe, for under his handsome picture was the date (1902-1931) and under it the phrase: “A Martyr of Freedom of Expression”.  So who was he and what was this journey all about??

Knud Holmboe was a Danish journalist and travel writer. Son of a Danish businessman, it appears that his smug materialist middle-class life in Denmark was not compatible with his more adventurous, rebellious and reflective nature. His career in journalism quenched his thirst for travel to remote areas, taking him to Morocco, where he witnessed and wrote about the brutal French colonial war against the people of Morocco, as well as to Iraq, Turkey, Persia and the Balkans.

These travels however were paralleled with a passion for religions and philosophy and an inner quest on issues of faith and identity. At the age of twenty he embraced Catholicism and lived for a while in a monastery in France. However, still restless and searching, his travels to Morocco brought him in close contact with the Muslim population and with their faith, finally leading him to convert to Islam, a faith he believed to be “the true Christianity” and whose people “practiced in their daily life so closely to what the prophet Jesus taught”.

“Desert Encounter” is a gripping account of the journey Knud began in 1930 in his Chevrolet Model 1929 from Morocco in the west across the vast Sahara desert with a plan to reach Egypt. Reading it, one senses Knud’s deep interest in knowing and coming close to the people of these nations: “This was going to be my last day as a European…and my first day with the people I so much wanted to know and whom one can only get to know by living among them”.

His courage is evident in travelling through difficult and unknown terrain, never turning back even when his car broke down more than once, almost lost, and close to dying of thirst. But his courage and humanism are more evident in his account of the atrocities committed by colonial powers in North Africa, and primarily of the shocking treatment of the Libyan population by the Italian Fascist occupation. “In Europe one is told that the peaceful Italians in Cyrenaica have been attacked by the blood-thirsty Arabs. Only I, who have seen it, know who the barbarians are”.

Knud developed a strong sympathy and respect of the Libyan people and their struggle, describing their poor illiterate fighters as “the truest noblemen I have ever met”. However, this sympathy brought on him the wrath of the Italian occupation who finally arrested and deported him before he could complete his journey to Egypt.

When “Desert Encounter” was published in 1931 it became an instant bestseller in Denmark, in many European countries and in the USA, but it was banned in Italy and not translated into the Italian language until 2004.  In the same year Knud was killed at the age of 29 while travelling in Aqaba on his way to Mecca and it was speculated that the Italian intelligence was involved, but this was never verified.

One is often pained when a life is cut so short, especially a life so intense and promising as Knud’s life seemed to be. The only consolation is that his story is still alive 80 years after his death and his humanistic message is still reaching many across the world:

“Deep down within themselves the peoples of the East and the West are alike.  They are two branches of the same tree. And when man, regardless of whence he comes, seeks deep in his heart, he will feel the longing for the root of the tree”.





Thursday, August 16, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(9) مشيناها خطى



" أن يموت كالاشجار واقفاً وألا يسقط القلم من يده"

من المغرب نعود إلى المحروسة لنرتحل مع عالم ومؤرخ وباحث ومعلم أجيال هو رؤوف عباس من خلال سيرته الذاتية "مشيناها خطى". كان أكثر ما أثار انتباهي وإعاجابي اسلوبه البسيط وشديد التواضع في الكتابة وفي ذات الوقت اعتزازه الشديد بالنفس واحترامه العميق للعلم والعقل والاستقلال الفكري حيث عاش مرفوع الرأس طوال مشوار حياته الذي كان ملئ "بالتعاريج والانحناءات أكثر مما فيه من الاستقامة والوضوح" على حد تعبيره، خاصة في ظل الصعوبات الكبيرة التي واجهها في مقتبل حياته ثم التحديات التي اعترضت مسيرته العلمية.

ورؤوف عباس نموذج للمصري البسيط القادم من أصول فقيرة ومتواضعة "شأنه شأن السواد الأعظم من المصريين" نجح بالإصرار والمثابرة في تجاوز ظروفه الخانقة  والوصول إلى أعلى المراتب العلمية، وقد ولد عام 1939 "في أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسيعد" حيث كان والده يشتغل عاملا بالسكة الحديد، وعاش  طفولته وصباه "بعزبة هرميس" بحي شبرا والتي يصفها "بمصر الصغرى" حيث "عاش سكانها مسلمين وأقباط معا رغم فقرهم وكأنهم أسرة واحدة.

وكاد أكثر من مرة لا يستكمل تعليمه الإعدادي والثانوي بسبب ضيق امكانيات والده واسرته، ولكن الإصرار والصدفة في بعض الأحيان ساعدت في استكمال مسيرته التعليمية، اما المرحلة الجامعية فيعود الفضل لثورة يوليو في  أن يستكملها  دون عناء حيث "فتحت باب التعليم الجامعي أما فئات اجتماعية لم تكن تحلم في عهد الملكية بالوقوف أمام باب الجامعة فضلا عن الالتحاق بها". كما أن سياسة تعيين الخريجين أتاحت له فرصة التوظف بعد التخرج وانقاذه من البطالة.

ومع حياته العملية بدأت تحديات ومعارك من نوع آخر امتدت على مدار أكثر من 40 عاما، فمعارك ضد الفساد والرشوة ومحاولة سرقة عرق العمال في وظيفته الأولى، ثم معارك للحصول على حقه في التعيين معيدا في الجامعة بعد حصوله على الدكتوراة عام 1971، ثم تدخل الأمن في الحياة الجامعية وفي التعيين والفصل، وفي نظام الإعارات وتحديد مصير شئون الطلاب.

كما يرصد رؤوف عباس التدهور في وضع التعليم الجامعي، فبعد أن رسم لنا خلال فترة دراسته الأولى صورة للاساتذة العلماء الأجلاء والطلاب الذين يبحثون ولا يحفظون وينجحون من خلال الأبحاث والمقالات والمكتبات وامتحانات حقيقية، يرسم لنا صورة أخرى لعهد "الاساتذة الموظفين"  والانشغال بإعداد رسائل الماجستير والدكتوراة لطلابهم من الأثرياء العرب، ونهب الصناديق الخاصة واستخدام أموال الجامعة في الإنفاق على المحظوظين من الأساتذة.

ومن الملامح المؤسفة التي يسجلها رؤوف عباس هو التمييز الديني الذي يمارس من قبل بعض قيادات الدولة أو داخل الجامعة ففي عهدي السادات ومبارك تم رفض ترشيحاته لاساتذة وعلماء تاريخ أجلاء فقط بسبب ديانتهم  ولأنهم """أهل ذمة" على حد تعبير أحد المسئولين.  وقد تمسك رؤوف عباس باختياراته رافضا مبدأ الاعتراض على أساتذة اكفاء وطنيين مصريين بدون سبب سوى ديانتهم، بل كتب مقال في صحافة المعارضة حول هذا الأمر بعد رفض جريدة الأهرام نشره.

وهناك العديد من الملامح والتحديات والإنجازات الأخرى  التي حققها رؤوف عباس يسجلها في سيرته مثل رئاسته واحيائه  للجمعية المصرية التاريخية، ولكن أكثر ما يبرز فيها هو تمسكه العنيد بمواقفه المبدئيه وعدم التنازل عن إعلاء قيمة العلم والحق والعدل، وقد نجح بالفعل في اجتياز تعاريج وانحناءات الحياة بفضل "ما حباه  الله من خصائص جمعت بين العناد والإصرار والصبر، فاقت في حجمها أحاسيس الإحباط والعجز وخيبة الأمل" على حد تعبيره.

وقد رحل د. رؤوف عباس عن عالمنا في عام 2008 بعد أن حقق امنيته في "أن يظل قادرا على التفكير والابداع حتى يجود بالنفس الأخير".



Wednesday, August 15, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(8) حدائق الملك 2



"إني اقاوم القدر"


تقول فاطمة اوفقير:

"اعتقد أن المرء حينما تلم به فاجعة ويمر في لحظات عصيبة يكتشف في نفسه جسارة غير متوقعة.  ففي سبيل خلاصنا، نستخدم طاقات ووسائل لا تخطر على بال، ونعثر على أفكار مدهشة. قد يتصور أي كان، وهو يراقب وضعنا من الخارج، أننا كنا نفضل الموت على العيش في ظل تلك الظروف الرهيبة، ولكن على العكس من ذلك، تشبثنا بالحياة، ووجدنا ألف حيلة للتغلب على السجن والعزلة".

 واحدة من هذه الحيل كانت الخيال  والحكي،  فعلى مدار ثماني سنوات تم فصل أفراد الأسرة عن بعضهم البعض في زنزانات منفصلة، استطاع ابنها رؤوف أن يخلق من بعض الأسلاك والقطع المعدنية شبكة اتصال بين الزنازين تمكنوا من خلالها الاستماع إلى حكايات وقصص كانت ترويها مليكة عن روسيا القيصرية و"تبتدعها من مخيلتها الخصبة...تطورت على مر الليالي مع شخصيات عديدة وأحداث مثيرة متواصلة...وتعلقنا جميعا بشفتي مليكة وموهبتها السردية".  بل قامت الأخت الصغيرة سكينة بكتابة هذه الحكايات على الورق المقوى الذي كان يرسل إليهم فيه الخبز حيث "في النهاية أصبح في حوزتنا كيس ملئ بالأوراق المسطرة بكتابات سكينة الدقيقة، ثمانية أعوام دون أن نتمكن من أن تنتقابل وجها لوجه ونحن نعيش عبر شبكتنا حكاية من روسيا القصرية".

وإلى جانب الحكى كان هناك التأمل والحلم وإطلاق الخيال :

"في السجن، كنا نمضي أياما كاملة في التأمل داخل عزلتنا. لم يكن هناك ما نتلهى به، كانت تسليتنا الوحيدة خيالنا الخاص.  كنا نستطيع أن نتوه بحريتنا في رؤوسنا، ونعد مشاريع كبيرة، لم يكن بوسع أحد أن يردعنا ولم تكن أيه عقبة تعترض أفكارنا. بطريقة ما، كنا أحراراً أكثر من الناس في الخارج".

ورغم هذه الحيل وأشكال المقاومة كانت التجربة في غاية الصعوبة على الأم وأبنائها الستة خاصة وأنها كانت تراهم يذبلون أمامها ولذلك لجأوا إلى الإضراب عن الطعام عام 1986 في محاولة للفت الأنظار إلى محنتهم  دون جدوى ثم محاولة انتحار فاشلة، إلى أن نجح أربعة من الأبناء من الفرار من السجن عن طريق حفر نفق عام 1987، وهو ما سلط الأضواء على قضيتهم أمام الرأي العام المغربي والعالمي ومهد الطريق لإطلاق سراحهم عام 1991.

تجربة فاطمة أوفقير وتجربة أبنائها الستة، حتى لو اختلفت معها في مواقفها السياسية أو المبررات التي تسوقها دفاعا عن زوجها،  هي نموذج لمقاومة محن الأقدار بكرامة وإنسانية ومحاولة الاحتفاظ  "على مشاعر الشهامة والإحساس المرهف" وعدم الانحطاط إلى مستوى حيواني أدنى.  

وكما تقول فاطمة اوفقير: " أردت أن يفكر أولادي في العيش بعزة وكرامة قبل التفكير في الحقد والكراهية، وربما هذا ما أبقانا ضمن مجتمع البشر".

Tuesday, August 14, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(7) حدائق الملك 1




"لقد جئت إلى هذه الدنيا مرفوعة الرأس وسأموت مرفوعة الرأس"



يمكن أن يكون غلاف كتاب "حدائق الملك" مخادعا للوهلة الأولى، فإلى جانب العنوان الذي يوحي بسياق مرتبط بالطبيعة والجمال واتساع الأفق، توجد صورة لأمرأة جميلة يكسو ملامحها الجذابة ابتسامة هادئة رقيقة، هي صورة الكاتبة وصاحبة السيرة فاطمة أوفقير. فمن هي وما هي قصتها مع "حدائق الملك"؟

هي زوجة الجنرال محمد اوفقير، رجل المغرب القوي والرجل الثاني بعد الملك الحسن والذي كان قد دعم والده محمد الخامس في الحصول على استقلال البلاد عام 1956 من فرنسا ثم تولى منصب وزير الداخلية في عهد الحسن الثاني بعد أن كان مدير أمن ومخاربات وساهم في قمع المعارضة وبسط يد  الدولة والملك على البلاد .

ورغم حياة الرفاهية والرغد والثراء التي عاشتها فاطمة أفقير، و هي إمرأة قوية الشخصية، محبة للحياة ومتعها، ورغم قربها من الأسرة المالكة ومن مراكز السلطة والنفوذ وصنع القرار، انقلبت حياتها رأسا على عقب عندما تورط زوجها في محاولة إنقلاب فاشلة  ضد الملك الحسن عام 1972 ، قتل في أعقابها الجنرال أوفقير.  

ولكن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد، بل أصبحت فاطمة وأولادها الستة والذي كان أصغرهم عبد اللطيف يبلغ من العمر ثلاث سنوات وأكبرهم مليكة في التاسعة عشرمن العمر نزلاء في حدائق الملك....وهو الأسم الذي يطلق على المعتقلات والسجون السياسية في المغرب.

من الصعب قراءة تجربة الاعتقال التي دامت 19 عاما من 1972 حتى 1991 والسقوط المروع من قمة المجتمع المغربي إلى  غياهب النسيان تحت الأرض في الزنزانات  السوادء المفقرة دون غذاء كاف أو رعاية طبية أو فرص لتعليم الصغار، تجربة راح ضحيتها ستة من الأطفال والأبناء لا ذنب لهم فيما اقترف الآباء، ولكنه شكل أخر من أشكال العقاب الجماعي الذي يقترفه المستبد أو صاحب السلطة أو المتعصب دينيا أو عنصريا والذي يدفع ثمنه الأبرياء من أعضاء أسرة أو أبناء قرية  أو أفراد طائفة دينية أو حتى أبناء بلد بأكمله.

ولكن أكثر ما جذبني في هذه المذكرات هو القدرة الإنسانية ، حتى بين الصغار، على البقاء والحياة والصمود أمام  أصعب ظروف الحرمان والقهر وايجاد سبل لعدم "السقوط في الانحطاط المعنوي والعقلي" كما تعبر عن ذلك فاطمة افقير.... فكيف كان ذلك؟؟


Monday, August 13, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(6) مذكرات قرية: المرأة 5



"الزوجة تعرف وزوجها يعرف أنها إن غضبت فسيشقى...
ستظل كل أسئلته في بيته بدون أجوبة"



 يرسم عصمت سيف الدولة صورة خاصة جدا عن المرأة الصعيدية حيث يضعها في مكانة رفيعة داخل أسرتها وبيتها: " فكل ما تملكه الأسرة من مال او ماشية أو حبوب أو دواجن أوجبن أو دهان أو خبز أو بيض، فهي خازنته وهي حارسته وهي المانحة منه ما تريد لمن تشاء، بل هي وحدها التي تعرف على وجه التحديد ما هو وكم هو وأين هو من البيت.  فهي لها في بيتها فضلان، فضل الإدارة وفضل التمويل، ولزوجها فضل العمل، فلا ينكر عليها أحد بعد هذا أنها ملكة البيت وما فيه...إنها لا تخدم أحدا، ولا زوجها وإنما تدير مملكتها في بيتها وتعد فيه كل الأجوبة الروحية والعاطفية والمادية على أسئلة الرجل الزوج والأولاد من بنين وبنات".

أما الحب والزواج والعاطفة فلها خصوصية في قرية الهمامية يعبر عنها  د.عصمت سيف الدولة قائلا:

"الزوجة في القرية لا ’تحب’ ولا ’تعشق’ زوجها، تلك وأمثالها أوصاف أدنى بكثير من تلك العلاقة بين الزوجين، أدنى وصف إلى حقيقتها أنها وحدة مصير...لا بل وحدة وجود. فهما لا يلتقيان منفردين إلا نادرا، وإن تحادثا فلا يهزران، ولا يتلامسان غزلا، ولا يتغزلان حديثا، ولا يعرفان عادة القبل على الشفاء، ولا يتعانقان إذا تقابلا بعد غياب، لا يفقدان في كل الظروف الوقار والتوقير والحياء، ولا تنادي المرأة زوجها باسمه ولا يناديها باسمها إلا إذا كانا منفردين، وإن تجادلا فصيغة النداء تدل على مدى الاتفاق والاختلاف والتودد، إن قالت له ,’يا خوي’ فهي متفقة، وإن نادته ’يا ولد عمي’ فهي تتودد...وإن قالت ’يا ولد الناس’ فهي غاضبة".

ولكن هذا لا يعني أن المرأة في القرية لا تعرف الحب "بالعكس إنها تعرفه عاطفة متأججة منذ أن بلغت مبلغ النساء، كل ما في الأمر إنها أحبت حتى الوله، وعشقت بكل كيانها الزوج بصفته وليس شخصا بعينه".

هناك الكثير من الحكايات والملامح والتفاصيل الأخرى تحتويها "مذكرات قرية"، ولكن لكل بداية نهاية وليس أفضل من المرأة والحب خاتمة  لهذا العرض الموجز....فقد حان الوقت لكي نرتحل إلى مكان وزمان أخر...فإلى أين؟؟


Sunday, August 12, 2012

اطلالة على حيوات أخرى...(5) مذكرات قرية: العاب الحياة 4


                

                              "لا أحد يكف عن اللعب، ولا أحد يشكو، 
                                  ولا أحد يبكي ولو تحطمت عظامه"



اللعب ليس فقط مدخل لأدخال البهجة والسرور والمرح على الاطفال ولكنه أيضا يمنحهم فرصة الاختلاط بغيرهم من الأطفال واكتساب المهارات الاجتماعية، وفي قرية مثل  "الهمامية" يصبح اللعب أداة هامة لإعداد الأطفال للحياة التي سيواجهونها.  ومن أهم اللعب التي يلعبها الأولاد لعبة "دارت" ولعبة "العضمة". وكل منهما تنطوى على مخاطر الموت أو الجرح الجسيم وكلها تبيح العنف بدون حدود.

فلماذا تزج القرية بأبنائها لمثل هذه الألعاب والمخاطر؟؟

يعقب على ذلك د. عصمت سيف الدولة قائلا:

" قسوة الحياة في القرية خلقت أرقى فضائلها: احتمال القسوة لتستمر الحياة. غيبة الأمل في مغالبة الحياة، خلقت فضيلة الكف عن الشكوى لمن لا أمل فيه. هكذا ما فتئت القرية تدرب أولادها وهم صغار يلهون على ما سيحتاجون إليه حين يكبرون ويعملون.  تقدم للهوهم ألعابا قاسية لتحصنهم ضد قسوة الحياة الجادة، كما يلقح الجسم بالميكروب ليتحصن ضد الاصابة بمرضه. وعلى مدى الحياة الطويلة وأجيالهم المتعاقبة يتعلم كل مجتمع ما هو في حاجة إليه. كما تعلم المجتمع منذ الغارة أن الشجاعة رأس الفضائل كما تكون بالاقتحام الايجابي وهزيمة القاهرين عنوة، تكون بهزيمة القهر ولو سلبيا بتحمل آلامه وعدم الشكوى منه ولو كانت الحياة ذاتها هي ثمن الصمود".

وعلى جانب أخر، هناك العاب تعلم المساواة مثل لعبة "السيجة" التي يلعبها أهل القرية كغيرهم من فلاحي مصر بقطع من طوب أو حجر على رقعة من تراب وهم جلوس على الأرض، ويحرص أهل القرية على تدريب أولادهم عليها منذ الصغر. ويقدم د. عصمت سيف الدولة مقارنة بديعة بين لعبة "السيجة" ولعبة "الشطرنج" لها دلالات تربوية واجتماعية  فيقول:

"فالسيجة لعبة ديمقراطية في حين أن الشطرنج لعبة ارستقراطية، ففي السيجة تتساوى كل القطع  إذ كلها أحجار أو طوب، أما في الشطرنج، فثمة الملك والوزير والفارس والطابية والفيل ثم أخيرا الجند الذين يرصونهم أمام الارستقارطيين وفرسانهم وطوابيهم وأفيالهم ليتلقوا عنهم مخاطر القتال المبكر. كذلك في الشطرنج كل القوى مسخرة لحماية الملك ولا يهزم لاعب إلا إذا مات الملك حتى لو كان فقد كل جنده أو خيله وطوابيه، أما في السيجة فكل القطع يساند بعضها بعضا وتتعرض كل قطعة للمخاطر ذاتها التي تتعرض لها القطع الأخرى، وتحل كل قطعة محل أية قطعة أخرى في إداء وظيفتها، ومن يمت يفتدي من يعيش، ثم لا ينهزم إلا من يفقد "أغلبية" قواته وحكم الأغلبية قائم على اساس المساواة بين البشر".

ولكن إذا كانت المساواة  قيمة أساسية من قيم القرية، فماذا عن المرأة ووضعها ومكاتنها في هذا المجتمع الصعيدي التقليدي المحافظ ؟